محمد رأفت سعيد

255

تاريخ نزول القرآن الكريم

رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما » ، وروى عنه من طريق أخرى عند مسلم والترمذي وغيرهم وقال : فنزلت : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فرقتين : فرقة فوق الجبل ، وفرقة دونه ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : اشهدوا » وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عنه قال : رأيت القمر منشقا شقتين مرّتين : مرّة بمكة قبل أن يخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم : شقة على أبى قبيس ، وشقة على السويداء وذكر أن هذا سبب نزول الآية « 1 » ويعلق القرطبي على الروايات التي وردت في انشقاق القمر فيقول : « وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة وهو ظاهر التنزيل ، ولا يلزم أن يستوى الناس فيها ؛ لأنها كانت آية ليلية ، وأنها كانت باستدعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم من الله تعالى عند التحدي « 2 » . فظهور هذه الآية الحسية الباهرة كان كافيا لتحريك القلوب وتسليم أصحابها وإيمانهم ، ولكنّ كثافة الكفر على القلوب جعلت هؤلاء ينسبون هذه الآية إلى السحر ، قال ابن عباس : اجتمع المشركون إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وقالوا : إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين ، نصف على أبى قبيس ونصف على قعيقعان ، فقال لهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن فعلت تؤمنون » قالوا : نعم . وكانت ليلة بدر فسأل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا ؛ فانشق القمر فرقتين ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ينادى المشركين : « يا فلان يا فلان اشهدوا » ، وفي حديث ابن مسعود : انشق القمر على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالت قريش : هذا من سحر ابن أبي كبشة ؛ سحركم فاسألوا السّفّار فسألوهم فقالوا : قد رأينا القمر انشق فنزلت : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا أي إن يروا آية تدل على صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلم أعرضوا عن الإيمان وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) قال تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ( 1 ) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ( 3 ) فالآيات مع أمثال هؤلاء . لا تغنى فالإعراض والتكذيب واتباع الهوى حجب تحول بين الإنسان وبين الإيمان والنظر العقلي . وإذا كانت الآيات الحسية لا تغنى مع هؤلاء فإنهم كذلك لا يعتبرون بالأنباء التاريخية وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) . وأمام

--> ( 1 ) فتح القدير 5 / 123 . ( 2 ) القرطبي 17 / 126 .